01 02 03 04 05
 

ميزان الأخلاق

 

 

قال أحد الحكماء: «ثلاثة لا يُعرَفــون إلا في ثلاثة مواطن: لا يعـــرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الشجاع إلا في الحرب، ولا الأخ إلا عند الحاجة»

 

وهذا صحيح؛ فالشدائد تكشف كوامن الأخلاق، وتسفر عن حقائق النفوس، ولهذا كانت العرب تقول: «السفر ميزان القوم»، لأنَّه يُسفر عن كثير من أخلاقهم وطبائعهم.

 

وهكذا فإن الإنسان لا يُعرف عند الاتفاق بل عند الاختلاف، حيث يُسفر الاختلاف عن مدى ورع الإنسان وحلمه، وتحريه والتزامه العدل والانصاف، ونحوها من الآداب التي يجتمع عليها الناس عند الاتفاق، ويتمايزون فيها عند الاختلاف والعمل؛ ولهذا قال الله ـ تعالى ـ: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] ، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب».

 

كما أنَّ الاختلاف يسفر أيضاً عن عقل الإنسان، وسعة أفقه، وعمق بصيرته، ورؤيته الشمولية للمسائل.

 

وبيان الحق ـ المختلف فيه ـ وتصحيح المنهج مطلبان يجب التزامهما؛ لكن الرحمة والإحسان خلقان لا ينبغي إغفالهما، وحسن الظن والتماس العذر والاستغفار للمخطئ طرق لا غنى عنها لمريد الحق والعدل والنصيحة والإصلاح.

 

وإنَّ من الأدواء الخفية أن الطبائع الجبليَّة كسرعة الغضب وحدَّة المزاج وصلابة الرأي تطغى عند الاختلاف، وتسيطر على مواقف الإنسان، وتريه الأمور بمنظار يختلف عن حجمها الصحيح، ثم يفسرها ـ من حيث يشعر أحياناً، أو من حيث لا يشعر أحياناً أخرى ـ بأنها من الغيرة على الحق والغضب لله تعالى؛ وحقيقة الحال أنه يسير وفق أخلاقه وطبائعه الكامنة المستترة، وينسى أنَّ الغيرة على الحق لا تتنافى مع الحلم والأناة التي يحبها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأن الغضب لله لا يعني الجور وتجاوز الحدّ الشرعي في إنكار المنكر. ولهذا كان من الورع والتقى ترويض الطبائع الشخصية بطول المجاهدة لتستقيم مع النصوص الشرعية، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصُّرَعة؛ إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»