الأمن والأمان

الأمن والأمان والطمأنينة والاستقرار مطلبٌ ضروريٌ من مطالب الإنسان؛ ففي ظل الأمن يرغد العيش وينتشر العلم ويتفرغ الناس لعبادة ربهم ومصالح دنياهم؛ لذا كانت دعوة إبراهيم الخليل عليه السلام(رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ…) انظر كيف قدّمَ الأمن على طلب الرزق لأنه لا يهنأ عيشٌ بلا أمان..... لقراءة البقية

 

فضل المتقين

 

   

جاءَ في الحديثِ الصّحيحِ أنّ سيدَنا جِبريلَ جاءَ إلى رسولِ اللهِ وهوَ نائِمٌ في مَكّةَ في بَيتِ أُمِّ هَانئ أُختِ عَليّ بنِ أبي طالِب وكانَ معَه اثنانِ مِن أقارِبه أَحدُهم عَمُّه حمزَة، فأَخَذَهُ جِبريلُ إلى المسجِد الحرَام بأَنْ أَركَبهُ البُرَاق فانتَفضَ البُراقُ فقالَ جِبريلُ للبُراق : اثبُتْ فَما ركِبَكَ أَحدٌ أَكرم على اللهِ مِن محمّد، جبريلُ الذي خُلِقَ قَبلَ آدمَ بزَمنٍ طَويلٍ ثم عاشَ وما يزَالُ عائِشًا إلى نهايةِ الدُّنيا لم يَعتَبِرنفسَه أفضلَ بل قالَ رسول اللهِ أفضَلُ خَلقِ الله، وهذَا الفَضلُ لمَا احتَوى علَيه قَلبُه مِن محَبّةِ اللهِ والخَوفِ مِنهُ .

 

وجاءَ في الأحاديثِ الصّحيحةِ مَا يُبَيِّنُ ويَزيدُ مَعنى الآيةِ وضُوحًا ، فَقد ورد في صَحيحِ ابنِ حِبّانَ مِن حَديثِ جَابرِ بنِ عبدِ اللهِ الأنصَاريّ أنّه قالَ : قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنَّ أَولى النّاسِ بي المتّقُونَ مَن كانُوا وحَيثُ كانُوا " الرسولُ يُبيِّنُ لنَا أنّ أفضَلَ النّاسِ عِندَه وأَقربَ النّاسِ إلَيهِ القُربَ المعنَوِيَّ المتّقُون أي المؤمنونَ الذينَ يَتّقُونَ اللهَ فيؤدُّونَ الواجِباتِ ويجتَنِبُونَ المحرّمَاتِ، مِنْ أَيِّ قَبائلِ البَشَرِ كَانُوا، وحَيثُ كانُوا أي لَو كانَ بَعِيدًا بالجِسم مِن حَيثُ المسَافةُ . فالمتّقِي قَريبٌ مِنّي كذَلكَ قال صلى الله عليه وسلم : " اتّقِ اللهَ حَيثُمَا كُنتَ " المعنى أنّ الإنسانَ حَيثُمَا كانَ علَيهِ أن يتّقي اللهَ بأن يؤدِّي مَا افتَرضَ اللهُ علَيهِ مِنَ العِبادَاتِ فمَن كانَ كذَلكَ فهوَ بخَيرٍ عندَ اللهِ، ليسَ الشّأنُ بِقُربِ النّسَبِ مِن رسولِ اللهِ إنمَا الشّأنُ بالقُربِ المعنَويّ أي أن يكونَ الإنسانُ مؤمِنًا تقِيًّا ثم لا يُبالي أَينَما كانَ، لو كانَ في أَقصَى الشّرقِ أو في أقصَى الغَربِ.

 

فتَبيّنَ مِن هذِه الآيةِ والأحاديثِ الثلاثةِ الصحيحةِ : أنّ الفَضلَ عندَ اللهِ تَعالى على حسَبِ مُلازمَةِ طَاعةِ اللهِ.

 

لكنّه إذا اجتَمعَ التّقوَى وشَرفُ النّسَبِ فذَلكَ مِن جُملَةِ نِعَمِ اللهِ تَعالى .

 

يقولُ الله تباركَ وتَعالى: " محمدٌ رسُولُ اللهِ والذينَ مَعهُ أَشِدّاءُ على الكُفّارِ رُحمَاءُ بَينَهُم تَراهُم رُكّعًا سُجّدًا يَبتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللهِ ورِضْوَانًا سِيمَاهُم في وجُوهِهِم مِن أثَرِ السّجُودِ ذلكَ مَثَلُهُم في التّوراةِ ومَثَلُهم في الإنجِيل كزَرْعٍ أَخرجَ شَطْـأَهُ فآزَرهُ فاسْتَغْلَظَ فاستَوَى على سُوقِهِ يُعجِبُ الزّراعَ ليَغِيظَ بهِمُ الكُفّارَ وعَدَ اللهُ الذينَ ءامَنُوا وعَمِلُوا الصّالحاتِ مِنهُم مَغفِرةً وأَجْرًا عَظِيمًا " سورة الفتح 29\

 

قال : "والذينَ مَعهُ " ليَعُمَّ كُلَّ مَن كَانَ بهذِه الصِّفَةِ التي ذكَرهَا اللهُ تعَالى في هذهِ الآيةِ وهيَ أنْ يكونَ المرءُ رحِيمًا بالمسلِمينَ وشَدِيدًا على الكافِرينَ وأنْ يكونَ محَافِظًا على الصّلاةِ وأنْ يكونَ صَحيحَ القَصْدِ أي أن يكونَ قَصدُه بعَملِِه ابتغَاءَ الفَضلِ منَ اللهِ وابتغَاءَ رِضوانِ اللهِ ، ثم وصَفَ هؤلاءِ بأنّ " سِيمَاهُم في وجُوهِهم " لَيسَ المعنى أنّهُ تَصِيرُ في وجُوهِهم هَنةٌ سَودَاء مِن كَثرةِ وَضْعِ جِباهِهِم على الأرضِ بل المعنى بما أَنهُم يُحافِظُونَ على الصّلواتِ ويُتقِنُونهَا فيُصَلُّونَها تَامّةً برُكوعِها وسجُودِها تَظهَرُ على وجُوهِهم علامَةُ الُمتّقِينَ، فالمؤمنُ الذي صَارت في قَلبِه حَلاوةُ الإيمانِ عِندَما يَنظُر إلى هؤلاء الأتقياء يَظهَرُ لهُ على وجُوهِهم أنّ هؤلاءِ مِن أهلِ التّقوى فيكونُ برُؤيَتِهم يَذكُرُ اللهَ تعَالى، هؤلاءِ همُ الذينَ جاءَ فِيهِمُ الأثَرُ : " خَيرُ عِبادِ اللهِ الذينَ إذَا رُؤوا ذُكِرَ اللهُ "

 

وعن إبي وائل عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إنّ من الناس مفاتيح لذكر الله إذا رؤوا ذُكر الله "رواه الطبراني في المعجم الكبير. ورواه غيره بألفاظ أخرى.

 

ثم إنّ اللهَ أَخبَر أنّ هذا الوصفَ مَذكُورٌ في التّوراةِ الأصلِيّة،كانَ مَذكُورًا أنّ أَتْباعَ محمّ يَكونُونَ بهذِه الصِّفةِ ثم رسولُ اللهِ كانَ مَثَلا لتَطبِيقِ هذِه الصِّفةِ التي ذكَرهَا الله، كانَ رحِيمًا بالمؤمنينَ، كانَ يحِبُّ المسَاكِينَ ويُدنِيْهِم مِنهُ وقَد أَوصَى بذلكَ أبَا ذَرٍّ الغِفَاريّ.